بسـم الله الرحمـن الرحيـم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الطيّبين وسلم تسليما وبعد
الأستـاذ: يحي بن بهون حاج امحمد
معهد الآداب واللغات والإعلام
قسم اللغة العربية وآدابهـا
جامعة الدكتور يحي فارس
حي عين الذهب، المـدية 26000
المدية في: 07/03/2009
ممرضات في ميدان الشرف
“الشهيدة مريم عبد العزيز ”
1937 – 1959
احتفاءً بعيد المرأة العالمي المصادف للثامن من مارس من كل سنة، وإبرازًا لمساهمات المرأة الجزائرية في المجال الأكاديمي بادرت إدارة جامعتنا الفتية ممثلة في معهد الآداب واللغات إلى تنظيم يوم دراسي في الموضوع بعنوان: “المرأة الأكاديمية الجزائرية.. إشعاع متواصل”.
إنه لما كانت المرأة نصف المجتمع فإن دورها في الحياة لا يقل أهمية عن دور الرجل بل هو مكمل وداعم له، بل إن عظماء الرجال يُقرُّون دائمًا بفضل أمهاتهم في تنشئتهم وتوجيههم، وبفضل زوجاتهم في مؤازرتهم وتشجيعهم، والشارع الحكيم قد أقرّ لهن بالفضل فجعل الجنة تحت أقدامهن، فقال الرسول الكريم “الجنة تحت أقدام الأمهات”، وقال أيضا: “النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلاّ لئيم”، وغيرها من الأمثلة كثير، وجميعها تبرز قدر المرأة في الإسلام، وإن كان هذا ليس موضوع حديثنا اليوم فلا نطيل فيه.
ولعل الحديث عن فترة النضال السياسي والعمل الثوري المسلح للشعب الجزائري منتصف القرن الماضي، يقودنا إلى استحضار الذكريات الخالدة والحديث عن البطولات الجسام لأبناء هذا الشعب في سبيل نيل الاستقلال والتخلص من عبودية الاستعمار، وعن دور المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية نستحضر بطولات حسيبة بن بوعلي، والجميلات الثلاث: جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة، وجميلة بوباشا، وغيرهن من النساء اللائي ضربن أروع الأمثلة في الصمود الأنثوي أمام غطرسة الجلاّدين، تمامًا كما كان أحمد زبانه والعربي بن مهيدي مثالين للصمود الرجولي أمام وحشية التعذيب والتنكيل، وقد واجه الأول تنفيذ أول حكم بالإعدام بالمقصلة في الجزائر، وإن الأمثلة تتعدد وتتنوع إذا سرنا نتتبع نماذج الكفاح في مختلف ربوع هذا الوطن المعطاء.
وإيمانًا منَّا بأن هذا الوطن المعطاء على شساعة أراضيه وتنوع تشكيلته البشرية في شرقه وغربه وشماله وجنوبه، يظل إخلاص ووفاء أبنائه له يتجلى فيهم دائما، جاعلين منه جسدًا واحدًا خاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوحدة والسيادة الوطنية، فنحن عندما نتحدث عن بطولات الفدائيين في أحياء القصبة وجبال الأوراس وجرجرة والونشريس، لا يستطيع أحد أن ينفي وجود الثورة في كل مدينة وقرية وحيّ وبيت، ولم يكن سر نجاح ثورة نوفمبر المجيدة إلا بتضافر الجهود واحتضانها من طرف الجماهير، فنحن مثلاً عندما نذكر جهاد واستشهاد البطلة “فضيلة سعدان” يزيدنا شرفًا أن نقول بأن هذه الفدائية التي بلغت شهرتها الآفاق وضربت أروع الأمثلة في البطولة والفداء، هي ابنة مدينة “قصر البخاري”، وبما أننا في أحضان جامعة المدية وبيننا طلبة وطالبات من هذه المدينة العريقة، فإن هذا شرف لهم وشرف لنا جميعًا وإننا ندعوهم جميعًا ليتعرفوا أكثر ويبحثوا بجد عن تاريخ هذه البطلة، وعن تاريخ مجاهدات وفدائيات أخريات مازلن في الظل، ينتظرن جهود طلبتنا وطالباتنا ليبرزوهم، فيتعرف الجميع على حقائق جهادهن وكفاحهن، وبهذا تتعزز الشخصية الوطنية في نفوس الأبناء والناشئة، وتتشبث بالأرض والقيم والتاريخ أكثر وأكثر، متى عرفوا بطولات آبائهم وأجدادهم الأقربين فيتشبهوا بهم ويقتدوا بهم في خوض معترك الحياة؛ وهذا أحد الأسباب المقصودة والمرجوة من هذه المداخلة.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ المؤرخ محمد علي دبوز _رحمه الله_: “إن تاريخ الجزائر الحديث إذا لم نُعجِّل به يضيع، فيا ليت كُتاب الجزائر يهتمون به فيَكتُب كُلٌّ عن ناحيته كل ما يستطيع الوصول إليه، فيتكوَّن لنا من مجموع ذلك تاريخ الجزائر الكامل، وليس تعصُّبا أن يُقصِر المؤلف جهوده على ناحيته، فإنه واجبٌ فرض لأنه أعرف بها من غيره، ويستطيع من البحث فيها ما لا يستطيع سواه، ثم هو قد شاهد وحفظ من أحداثها التاريخية ما لم يعرف غيره، فيجب أن يقدم كل ذلك إلى القراء، وإذا كتمه وضاع يكون آثما، وقد رأينا القدماء يخصّون بلدانهم بتآليف واسعة فلم يعُدَّ الناس ذلك تعصبا بل واجبا وفضيلة عظمى”( )..
وعن أهمية احتفاء الأمم بتاريخها يقول رمضان حمود في كتابه بذور الحياة: “إذا جهلت أمة تاريخها فقد جهلت مستقبلها، وإذا جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها بيدها وألقتها في يد غيرها”.
وبالتالي فإن دورنا جميعًا يشترك في البحث في تاريخ أمتنا وماضي هويتنا، وإنه لما كان من لا يملك الماضي لا يمكن أن يملك الحاضر، فإن الاهتمام بالتراث الوطني هو حفاظ على الهوية الوطنية من الضياع والذوبان في هوية الآخرين أو هوية سوق العولمة التي لا تحترم الهويات القومية والوطنية ولا خصوصيات الشعوب، فارضة السيطرة العالمية للنظام الإمبريالي الرأسمالي، بحيث يصبح الاندماج المطلق فيها أو الانعزال المطلق عنها كلاهما انتحار حضاري.
إن نماذج البطولة والوطنية عند المرأة الجزائرية عديدة كما أسلفت، أما الأنموذج المقترح فهو لممرضة قضت في ميدان الشرف، وكانت فدائية باسلة اختارت الكفاح البطولي بعد أن خبِرت العمل الفدائي.
الممرضة “مريم عبد العزيز” مولدها ونشأتها:
عبد العزيز مريم بنت عبد العزيز من مواليد 4 جويلية 1937، من آل عبد العزيز ببني يزﭬن، بغرداية( )، نشأت مريم عبد العزيز بين أحضان عائلتها التي انتقلت للإقامة بالجزائر العاصمة، وكانت وضعيتها المادية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية قد ازدادت سوءًا كحال السواد الأعظم من الأسر الجزائرية، ونظرا لتلك الظروف العسيرة انقطعت مريم عن الدراسة لما بلغت الشهادة الابتدائية، والتحقت بمدرسة “بيجي” (bigi) الخاصة بتعليم الضّرب على الآلة الرّاقنة، وعندما تحصلت على الشهادة فيها صارت تنتقل بين المؤسسات والإدارات الاستعمارية علّها تجد عملا تُعين به عائلتها الفقيرة، وكانت تُواجَه بالرفض التام لكونها جزائرية، فالتحقت بمدرسة الممرضات وهي عيادة الصليب الأحمر لصاحبتها الآنسة “لونك” (lonk) الأوربية، بحي “صالون بِي” سابقًا (salombai) “المدنيّة” حاليا، أين تحصلت على شهادة ممرضة.
ثم حولتها الآنسة “لونك” إلى عيادة “فيردان” (ver daine)، إيدير عيسات، أين باشرت عملها بجد ونشاط، يحذوها أمل كبير مثلما كانت آمال كل الوطنيين الأحرار، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المستشفى الجامعي الكبير، ثم إلى مستشفى القطَّار الذي بقيت فيه ثلاث سنوات( ).
التحاقها بصفوف جيش التحرير الوطني:
عندما تغيبت مريم عن المنزل يومين كاملين، انتاب عائلتها القلق والخوف رغم إطلاعها إياهم على غيابها عن المنزل بضعة أيَّام، وفي اليوم الثالث من تغيّيبها أسرع والدها إلى مقر عملها واستفسر عنها مسؤول المستشفى الذي ردّ عليه بأنها تغيبت عن العمل خلال اليومين المذكورين.
وقد اكتفى والدها بالاستفسار عنها في مقرّ عملها لأنه فهم من تصرفاتها في المدة الأخيرة أن شيئًا ما قد حدث برضاها، وبالفعل لم تمضِ سوى أيام قلائل من تغيّبها عن المنزل حتى قدم شخص إلى عائلتها وأبلغهم التحية منها واخبرهم أن مريم بخير، وبذلك تأكد لعائلتها بأنها قد حقالمزيد






























