بمناسبة عيد المرأة، ممرضات في ميدان الشرف

كتبها بن بهون ، في 10 مارس 2009 الساعة: 08:23 ص

بسـم الله الرحمـن الرحيـم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الطيّبين وسلم تسليما وبعد
الأستـاذ: يحي بن بهون حاج امحمد
معهد الآداب واللغات والإعلام
قسم اللغة العربية وآدابهـا
جامعة الدكتور يحي فارس
حي عين الذهب، المـدية 26000
المدية في: 07/03/2009

ممرضات في ميدان الشرف
“الشهيدة مريم عبد العزيز ”
1937 – 1959

احتفاءً بعيد المرأة العالمي المصادف للثامن من مارس من كل سنة، وإبرازًا لمساهمات المرأة الجزائرية في المجال الأكاديمي بادرت إدارة جامعتنا الفتية ممثلة في معهد الآداب واللغات إلى تنظيم يوم دراسي في الموضوع بعنوان: “المرأة الأكاديمية الجزائرية.. إشعاع متواصل”.
إنه لما كانت المرأة نصف المجتمع فإن دورها في الحياة لا يقل أهمية عن دور الرجل بل هو مكمل وداعم له، بل إن عظماء الرجال يُقرُّون دائمًا بفضل أمهاتهم في تنشئتهم وتوجيههم، وبفضل زوجاتهم في مؤازرتهم وتشجيعهم، والشارع الحكيم قد أقرّ لهن بالفضل فجعل الجنة تحت أقدامهن، فقال الرسول الكريم  “الجنة تحت أقدام الأمهات”، وقال أيضا: “النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلاّ لئيم”، وغيرها من الأمثلة كثير، وجميعها تبرز قدر المرأة في الإسلام، وإن كان هذا ليس موضوع حديثنا اليوم فلا نطيل فيه.
ولعل الحديث عن فترة النضال السياسي والعمل الثوري المسلح للشعب الجزائري منتصف القرن الماضي، يقودنا إلى استحضار الذكريات الخالدة والحديث عن البطولات الجسام لأبناء هذا الشعب في سبيل نيل الاستقلال والتخلص من عبودية الاستعمار، وعن دور المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية نستحضر بطولات حسيبة بن بوعلي، والجميلات الثلاث: جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة، وجميلة بوباشا، وغيرهن من النساء اللائي ضربن أروع الأمثلة في الصمود الأنثوي أمام غطرسة الجلاّدين، تمامًا كما كان أحمد زبانه والعربي بن مهيدي مثالين للصمود الرجولي أمام وحشية التعذيب والتنكيل، وقد واجه الأول تنفيذ أول حكم بالإعدام بالمقصلة في الجزائر، وإن الأمثلة تتعدد وتتنوع إذا سرنا نتتبع نماذج الكفاح في مختلف ربوع هذا الوطن المعطاء.
وإيمانًا منَّا بأن هذا الوطن المعطاء على شساعة أراضيه وتنوع تشكيلته البشرية في شرقه وغربه وشماله وجنوبه، يظل إخلاص ووفاء أبنائه له يتجلى فيهم دائما، جاعلين منه جسدًا واحدًا خاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوحدة والسيادة الوطنية، فنحن عندما نتحدث عن بطولات الفدائيين في أحياء القصبة وجبال الأوراس وجرجرة والونشريس، لا يستطيع أحد أن ينفي وجود الثورة في كل مدينة وقرية وحيّ وبيت، ولم يكن سر نجاح ثورة نوفمبر المجيدة إلا بتضافر الجهود واحتضانها من طرف الجماهير، فنحن مثلاً عندما نذكر جهاد واستشهاد البطلة “فضيلة سعدان” يزيدنا شرفًا أن نقول بأن هذه الفدائية التي بلغت شهرتها الآفاق وضربت أروع الأمثلة في البطولة والفداء، هي ابنة مدينة “قصر البخاري”، وبما أننا في أحضان جامعة المدية وبيننا طلبة وطالبات من هذه المدينة العريقة، فإن هذا شرف لهم وشرف لنا جميعًا وإننا ندعوهم جميعًا ليتعرفوا أكثر ويبحثوا بجد عن تاريخ هذه البطلة، وعن تاريخ مجاهدات وفدائيات أخريات مازلن في الظل، ينتظرن جهود طلبتنا وطالباتنا ليبرزوهم، فيتعرف الجميع على حقائق جهادهن وكفاحهن، وبهذا تتعزز الشخصية الوطنية في نفوس الأبناء والناشئة، وتتشبث بالأرض والقيم والتاريخ أكثر وأكثر، متى عرفوا بطولات آبائهم وأجدادهم الأقربين فيتشبهوا بهم ويقتدوا بهم في خوض معترك الحياة؛ وهذا أحد الأسباب المقصودة والمرجوة من هذه المداخلة.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ المؤرخ محمد علي دبوز _رحمه الله_: “إن تاريخ الجزائر الحديث إذا لم نُعجِّل به يضيع، فيا ليت كُتاب الجزائر يهتمون به فيَكتُب كُلٌّ عن ناحيته كل ما يستطيع الوصول إليه، فيتكوَّن لنا من مجموع ذلك تاريخ الجزائر الكامل، وليس تعصُّبا أن يُقصِر المؤلف جهوده على ناحيته، فإنه واجبٌ فرض لأنه أعرف بها من غيره، ويستطيع من البحث فيها ما لا يستطيع سواه، ثم هو قد شاهد وحفظ من أحداثها التاريخية ما لم يعرف غيره، فيجب أن يقدم كل ذلك إلى القراء، وإذا كتمه وضاع يكون آثما، وقد رأينا القدماء يخصّون بلدانهم بتآليف واسعة فلم يعُدَّ الناس ذلك تعصبا بل واجبا وفضيلة عظمى”( )..
وعن أهمية احتفاء الأمم بتاريخها يقول رمضان حمود في كتابه بذور الحياة: “إذا جهلت أمة تاريخها فقد جهلت مستقبلها، وإذا جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها بيدها وألقتها في يد غيرها”.
وبالتالي فإن دورنا جميعًا يشترك في البحث في تاريخ أمتنا وماضي هويتنا، وإنه لما كان من لا يملك الماضي لا يمكن أن يملك الحاضر، فإن الاهتمام بالتراث الوطني هو حفاظ على الهوية الوطنية من الضياع والذوبان في هوية الآخرين أو هوية سوق العولمة التي لا تحترم الهويات القومية والوطنية ولا خصوصيات الشعوب، فارضة السيطرة العالمية للنظام الإمبريالي الرأسمالي، بحيث يصبح الاندماج المطلق فيها أو الانعزال المطلق عنها كلاهما انتحار حضاري.
إن نماذج البطولة والوطنية عند المرأة الجزائرية عديدة كما أسلفت، أما الأنموذج المقترح فهو لممرضة قضت في ميدان الشرف، وكانت فدائية باسلة اختارت الكفاح البطولي بعد أن خبِرت العمل الفدائي.

الممرضة “مريم عبد العزيز” مولدها ونشأتها:
عبد العزيز مريم بنت عبد العزيز من مواليد 4 جويلية 1937، من آل عبد العزيز ببني يزﭬن، بغرداية( )، نشأت مريم عبد العزيز بين أحضان عائلتها التي انتقلت للإقامة بالجزائر العاصمة، وكانت وضعيتها المادية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية قد ازدادت سوءًا كحال السواد الأعظم من الأسر الجزائرية، ونظرا لتلك الظروف العسيرة انقطعت مريم عن الدراسة لما بلغت الشهادة الابتدائية، والتحقت بمدرسة “بيجي” (bigi) الخاصة بتعليم الضّرب على الآلة الرّاقنة، وعندما تحصلت على الشهادة فيها صارت تنتقل بين المؤسسات والإدارات الاستعمارية علّها تجد عملا تُعين به عائلتها الفقيرة، وكانت تُواجَه بالرفض التام لكونها جزائرية، فالتحقت بمدرسة الممرضات وهي عيادة الصليب الأحمر لصاحبتها الآنسة “لونك” (lonk) الأوربية، بحي “صالون بِي” سابقًا (salombai) “المدنيّة” حاليا، أين تحصلت على شهادة ممرضة.
ثم حولتها الآنسة “لونك” إلى عيادة “فيردان” (ver daine)، إيدير عيسات، أين باشرت عملها بجد ونشاط، يحذوها أمل كبير مثلما كانت آمال كل الوطنيين الأحرار، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المستشفى الجامعي الكبير، ثم إلى مستشفى القطَّار الذي بقيت فيه ثلاث سنوات( ).
التحاقها بصفوف جيش التحرير الوطني:
عندما تغيبت مريم عن المنزل يومين كاملين، انتاب عائلتها القلق والخوف رغم إطلاعها إياهم على غيابها عن المنزل بضعة أيَّام، وفي اليوم الثالث من تغيّيبها أسرع والدها إلى مقر عملها واستفسر عنها مسؤول المستشفى الذي ردّ عليه بأنها تغيبت عن العمل خلال اليومين المذكورين.
وقد اكتفى والدها بالاستفسار عنها في مقرّ عملها لأنه فهم من تصرفاتها في المدة الأخيرة أن شيئًا ما قد حدث برضاها، وبالفعل لم تمضِ سوى أيام قلائل من تغيّبها عن المنزل حتى قدم شخص إلى عائلتها وأبلغهم التحية منها واخبرهم أن مريم بخير، وبذلك تأكد لعائلتها بأنها قد حقالمزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حادثة صالح باي (الحلقة الثانية)

كتبها بن بهون ، في 17 فبراير 2009 الساعة: 09:06 ص

رسالة إلى داي الجزائر “الحسن باشا الدُّولاَتلِي”([1])

في شأن باي قسنطينة “الباي صالح”

 

الحَمدُ لله سُبحَانَهُ مُولِي النِّعمِ، ومُزِيلِ النِّقَمِ، وَمُخرِجِ الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ، وَبَارِئ النِّسَمِ، وَمُنشىءِ الظُّلَمِ، وَكَاشِفِ الغُمَم، وَجَاعِلِ أُمُورِ عِبَادِهِ بِيَدِ المُلُوكِ الحُنَفَاءِ، لِمَا أَودَعَ الله تَعَالَى فِيهِم مِنَ الخَيرِ بَعدَ الأَئِمَّةِ الخُلَفَاءِ، وَصَيَّرَهُم مَولاَنَا فِي بِلاَدِه مِثلَ الأُسُودِ، وَأَلزَمَهُم مَرَاتِبَ الصُّعُودِ، وَأَنزَلَهُم مَنَازِلَ السُّعُودِ، فَلَولاَهُم لَتَفَطَّرَتِ السَّمَواتُ عَلَى العِبَادِ، وَخُسِفَتِ الأرضُ بِمَن فِيهَا بِكَثرَةِ أَنوَاعِ الفَسَادِ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَن ضُرِبَت عَلَيهِ قُبَّـةُ الجَمَالِ، وَامتدَّت إِلَيهِ أَغصَانُ الحُسنِ وَالبَهَاءِ، وَأُلبِسَ جُبَّةَ الكَمَالِ، سَيِّدِنَا وَمَولاَنَا مُحَمَّد بن عبد الله المَنعُوتِ بِمَحَاسِنِ الأَفعَالِ وَمَكَارِمِ الأَخلاَقِ، المَبعُوثِ رَحمَةً لِمَن كَانَ فِي جَمِيعِ الآفَاقِ، المُقَدَّمِ عَلَى الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، المُؤَخَّرِ عَلَى الأنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، صَلَّى الله عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الذِينَ أَسَّسُوا بُنيَانَهُم عَلَى التَّقوَى وَأَصحَابِه الذِينَ مَهَّدُوا نَمَارِقَ الدِّينِ وَشَيَّدُوا قُصُورَ الهُدَى، صَلاَةً وَسَلاَمًا يَدُومَانِ دَوَامَ الجدِيدَينِ وَيُؤَبَّـدَانِ تَأبِيدَ القَمَرَينِ.

وَبعدُ فَإِلَى سُلطَان سَلاَطِين الإسلاَمِ، مَالِكِ رِقَابِ الأَنَامِ، ظِلُّ الله سُبحَانَهُ عَلَى جَمِيعِ العَالَمِين، وَرُكنٌ شَدِيدٌ للإسلاَمِ وَالمُسلِمِينَ، وَحِصنٌ مَنِيعٌ يَلجَؤُونَ إِلَيهِ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ، وَمَلجأٌ رَفِيعٌ يَأوُون لَدَيهِ عِندَ كُلِّ مُهمٍّ، السُّلطَان الأعظَم، القَهرَمَان الأَكرَم، ذِي الحَضرَةِ العَلِيَّةِ، وَالطَّلعَةِ السَّنِيَّةِ، الحَائِزِ قَصَبَ السَّبقِ فِي مِضمَارِ الأَمَانِ، المُشيِّد مَدَارِجَ الدَّولَةِ السُّلطَانِيَةِ عَلَى مَمَرِّ الأَزمَانِ، نَخُصُّ بِهَذَا مَن دَانَت إِلَيهِ رِقَابُ المُلُوكِ وَالسَّلاَطِينِ، المَنصُورِ عَلَى جَمِيعِ الأَعدَاءِ وَالشَّيَاطِينِ، وَمَن اسمُه مُشتَقٌّ مِن الحُسنِ وَالبَهَاءِ، وَمَحَاسِنُهُ مَرقُومَةٌ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، سَيِّدُنَا وَمَولاَنَا أبَانَا وَنَاصِرُنُا “الحسن” الجَمِيل “الدّولاتلي” الباشا المَرضِي، حَسَّنَ الله مَولاَنَا أَيَّامَهُ، وَأَعلَى مُقَامَهُ وَخَلَّدَ مُلكَهُ، لاَزالَت أَقطَارُ الأَرضِ مُزهِرَةً بِأَنوَارِهِ، وَأَغصَانُ الخَيرَاتِ مُورِقَةً بِسَحَائِبِهِ، وَلاَ بَرِحَت مَحَاسِنُهُ الجَمِيلَةُ إِلَيهِ مُنتَظِمَةً، وَمَكَارِمُهُ الجَلِيلَةُ عَلَيهِ مُشتَمِلَةً.

سَلاَمُ الله سُبحَانَهُ عَلَيكَ، وَعَلَى مَن تَحتَوِيهِ عِنَايَتُك، يَتبَعُه أَلفُ سَلاَمٍ، بَعدَ أَلفِ ثَنَاءٍ وَتحيّةٍ وَإِكرَامٍ، مُتَعطِّرًا بِكَافُورٍ وَعَنبَرٍ وَأثجُوجَان([2])، مَشُوبًا بِمِسكٍ وَغَالِيَةٍ وَزَعفَرَانٍ يَخُصُّكَ وَيَعُمُّ مَن كَانَ تَحتَ لِوَائِكَ وَعِزِّكَ، مِنَ الحُكَّام وَالكُبَرَاءِ، وَالوُلاةِ وَالوُزَرَاء، الذِينَ هُم أُسُود الله فِي أَرضِهِ، وَجُنُودُهُ فِي بِلاَدِهِ، وَحِزبُهُ الغَالِبُونَ([3])، وَسُيُوفُهُ الصَّارِمُونَ، مِنَ المُسَلِّمِينَ عَلَيكَ خُدَّامِكَ وَعَبِيدِكَ جُمُوعِ بنِي مُزاب، المُشتَكِينَ إِلَيكَ مَا نَزَلَ بِهِم وَحَلَّ بِأَسمَاعِهِم مِنَ الأُمُورِ الصِّعَابِ، التِي لاِ طَاقَةَ لَهُم عَلَيهَـا بِلاَ سَبَبٍ مِنَ الأَسبَابِ، وَهِي أَنَّك تُرِيـدُ أَن تَضرِبَ عَلَيهِم الغَرَامَةَ المَالِيَةَ([4])، عَلَى يَدِ صَاحِبِ الوِلاَيَةِ الشَّرقِيَّةِ، غَيرَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِن قَدِيمِ الزَّمَانِ([5])، وَتُرِيدُ أَن تُبَـدِّلَ أَحوَالَهُم المُسَطَّرَةِ مِنَ الأَسلاَفِ وَالأَجدَادِ فِي الدِّيوَانِ، مَعَ أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيهِ لاَ يُطاقُ وَصفُـهُ، وَلاَ يُحصَى عَدُّهُ، مِن تَحَمُّل الصَّنَائِع([6]) عَلَى عَوَاتِقِهِم، وَالخَسَارَة التِي فِيهَا، المُطَوِّقَة عَلَى كَوَاهِلِهِم، وَقَد تَحَمَّلَهَا المُلُوكُ العِظَامُ، وَالسَّلاَطِينُ الجِسَامُ، وَسلَّمُوهَا لَهُم فِي السَّاعَةِ وَالحِينِ، وَهَرَبُوا مِنهَا عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ مِن العَالَمِينَ، فَانظُر يَا مَولاَنَا وَسَيِّدَنَا فِي هَذَا الأَمرِ وَالشَّانِ، وَخَمِّم فِيهِ بِعَينِ البَصِيرَةِ وَالجَنَانِ، وَفِي عَاقِبَتِهِ عَلَى مَمَرِّ الأَزمَانِ، فَإِنَّ الله سُبحَانَهُ لَم يَجعَلكَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ، إِلاَّ لِتَزِيدَ لقَوَانِينِ الأَوَّلِينَ إِحكَامًا، وَتُكَمِّلَ لِقَوَاعِدِهِم إِتقَانًا وَإِبرَامًا، وَتُدَبِّرَ عَلَى الدَّانِي وَالقَاصِي، وَتأخُذَ الحَقَّ مِنَ المُطِيعِ وَالعَاصِي، وَتُنصِتَ لِكَلاَمِ الأَحرَارِ وَالعَبِيدِ، وَتَسمَعَ كَلاَمَ الكَبِيرِ وَالوَلِيدِ، فَإِنَّ هَذَا مِنكُم أَيُّهَا المُلُوكُ لاَ يَزِيدُ لَكُم إِلاَّ شَرَفًا وَتَعظِيمًا، وَمَجدًا وَفَخرًا وَتَكرِيمًا، وَتَبدِيلُ الأُمُورِ لَيسَ مِن شِيمَتِكُم، وَتَغيِيرُ الأَحوَالِ لَيسَ مِن طَبِيعَتِكُم، بَل شِنشِنَتِكُم([7]) الضَّبطُ وَالإِحكَامُ، وَعَادتُكُم الإتقَانُ وَالإبرَامُ، وَالجِدُّ فِيمَا فِيهِ صَلاَحُ الإسلاَمِ، اقتِدَاءً بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاَة وَالسّلام، عَلَى أَنَّ فِي ظَنِّ بَنِي مُزاب، وَاعتِقَادِهِم المُسَاوِي لاعتِقَادِ العَسكَرِ الأحبَاب أَنَّ مَا سَمِعُوهُ عَلَيكَ، وَحدَّثتَ بِه نَفسَكَ، إنَّهُ لاَ يُمكِن وَلاَ يَقَعُ، فَكَيفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ ”وَأَنَّهُم تَلاَقُوا مَعَ عَسكَرِ التُّركِ الأعلَى فِي يَومٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا هُنَالِكَ، وَعَقَدُوا نِيَّةً وَاحِدَةً، وَأَخلَصُوا طَوِيَّة خَالِصَةً، وَرَسَمُوا ذَلِكَ فِي الدَّفتَرِ وَالدِّيوَانِ، وَسَطَّرُوهُ عَلَى مُرُورِ الدُّهُورِ وَالأَزمَانِ، خَلفًا عَن سَلَفٍ، صِيَانَةً مِن تَلَفٍ”([8])، فَإِن قُلت يَا مَولاَنَا أيُّها النِّبرَاسُ، العَلِيِّ شَأنُهُ فَوقَ جَمِيعِ النَّاسِ، لاَبُدَّ مِن هَـذَا فَإِنَّا لأَمرِ اللهِ تَعَالَى طَائِعُونَ، وَلِقَولِكَ سَامِعُونَ، فَسَرِّح حِينَئِذٍ أَولاَدَنَا الدَّاخِلِينَ بَلَدَ الجَزَائِرِ بِالأَمَانِ، الخَادِمِينَ صَنَائِعَهَا بِالإِحسَانِ، أَن يَقدِمُوا إِلَى مَا يُرِيدُونَه مِنَ البُلدَانِ، وَأرض الله وَاسِعَةٌ مَادَامَ الزَّمَان([9]).                            عَجِبتُ لِمَن يَعِيشُ بِغَيرِ عِزٍّ          وَأرضُ الله وَاسِعَةٌ يَراهَا([10])

وَعَلَيكَ أَيُّهَا الأَمِير بِامتِثَالِ مَا فِي الآيَتَينِ الكَرِيمَتَينِ مِنَ القُرآنِ العَظِيمِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ: ]إِنَّ الله يَامُرُكُم أَن تُوَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا، وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ[([11])، وَ]إِنَّ الله يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى[([12]) الآيَتين، فإِنَّكَ يَا مَولاَنَا إِذَا عَمِلتَ بمُقتضَاهُما يُعِزُّ الله سُبحَانَهُ سُلطَانَكَ، ويُعلِي شَأنَكَ، وَيُخَلِّدُ مُلكَكَ، وَيُطِيلُ عُمرَكَ، فَكَيفَ لاَ وَهُوَ كَلاَمٌ مِن رَبِّ رَّحِيم، وَتَنزِيلٌ مِن حَمِيدٍ حَكِيمٍ، سُبحَانَكَ يَا مَولاَنَا مَا أَعَزَّ سُلطَانَكَ، وَأَعظَمَ شَأنَكَ.    

      وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنَ الأَمرِ وَالشَّـأنِ أَنَّ خَدمَةَ العَسكَرِ الأعلى وَالجُندِ الأَسنَى هُم بَنُوا مُزاب مِن قَدِيمِ الزَّمَانِ([13])، إِمَّا أَن تَسعَى فِيهِم بِقَوَاعِدِ الأَسلاَفِ وَالأَجدَادِ، وَتُ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ديوان ابن بحمان

كتبها بن بهون ، في 30 نوفمبر 2008 الساعة: 09:28 ص

التقديم:

إنّ الحديث عن التّراث حديث عن مجد الأمّة العريق، وحديث عن حضارة أنتجتها عقول أجيال عبر كثير من الاجتهادات الإنسانية الصّائبة والخيّرة، والتي استطاع فيها أبناء الأمّة أن يقدّموا كلّ خدمة جليلة ومكرمة خالدة، ونتاج إنساني نافع، أسهم في صنعها الذّوق الفنّي الرّفيع.

ولما أدركت فئة خيّرة من أبناء هذه الأمّة حقيقة الحفاظ على التّراث، فسارعت إلى إعادته صفحة مشرقة من صفحات الحضارة الإسلامية، ليغترف منه شباب الأمّة دروسا وقيما رائعة.

         لقد امتاز الكثير من العلماء المسلمين الذين شيدوا الحضارة الإسلامية بخاصية فريدة وهي خاصية الموسوعية، فلم يكن الواحد منهم عالما متخصصا في فن واحد أو في فرع واحد من فروع العلم والمعرفة بل كان موسوعيا يعرف معظم ما انتهى إليه العلم في معظم التخصصات.

         ولعل ما يميز هذا الديوان هو اشتغال صاحبه بمناصب مهمة واطلاعه على أهم  علم وهو علم التأريخ الذي صار في العصر الحديث يحتل مكانة عالية بين العلوم، بل ويأتي في الصدارة بين العلوم من حيث الاهتمام به وبمؤلفاته، حتى صار يطلق على العصر الحديث بعصر التاريخ، وإلى ما قبل الحرب العالمية الأولى كانت المؤلفات في التاريخ وما يتصل به من تراجم وقصص تاريخي وآثار وغيرها من فروع المعرفة التأريخية، تُكوِّن خُمس المكتبة العالمية.

إنَّ هذا الاهتمام بالتاريخ لم يأت من فراغ فالإنسان عبر تاريخه الطويل مرتبط أشد الارتباط بجذور تاريخية في كل جوانب حياته المختلفة، وما المرحلة التي يعيشها إلا إحدى حلقات السلسلة التاريخية التي ترتبط بسلسلة تاريخية طويلة وعميقة الجذور، فالإنسان تاريخي بجوهره وطبعه، ذلك أن وعي الإنسان التأريخي يبدأ منذ إدراكه لنفسه وشعوره بإنسانيته وبإحساسه لما له في ماضيه من رصيد تاريخي.

         لذلك فقد اهتم الشيخ ابن بِحمان بتسجيل مختلف الأحداث التاريخية في عهده بأسلوب شعري وأدبي فنيٍّ، حتى ينقل لنا ما استطاع من وقائع عصره ومِصره، فنعرفها ونعمل على الأخذ بما يفيدنا منها لإصلاح أمور معاشنا ومعادنا، ومن هنا فهو موسوعة مصغرة في مختلف الأغراض الشعرية في كثير من المناسبات المهمة.

         إن هذا العمل هو في الأصل مذكرتي المقدَّمة لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب واللغات بجامعة الجزائر في تخصّص تحقيق المخطوطات، وقبلها كنت عزمت على تحقيق الرّحلة الحجازية للشّيخ إبراهيم بن بحمان بن أبي محمّد بن عبد الله بن عبد العزيز الثّميني اليسجني المُصعبي _صاحب الديوان_ المتوفّى سنة 1272هـ/1817م، لما أحبّه في أدب الرّحلة من سبر للأغوار واستنطاق للمعالم والأمكنة، ومن الوقوف على المسالك والأقوام والجماعات، واستنباط التعاليق المختلفة…

ولمّا اتّصلت بأستاذي المشرف على البحث الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام وعرضت عليه الموضوع اقترح عليّ تحقيق الدّيوان كله حتّى يرقى العمل إلى المستوى المطلوب ولأقف على شعر الشّيخ وأدبه وعصره ومِصرِه، ذلك لأنّ الشّيخ عاش في فترة لم يُؤَرَّخ لها كثيرا، لا في عواصم الجزائر ولا في حواضرها فناهيك عن صحاريها، كما ويعد شعره التأريخ الفعلي لمنطقة مزاب خلال تلك الفترة من الزمن..

وبعد أخذ وردّ اقتنعت برأيه بعد أن زال تردُّدِي خَوفَ أن يستغرق العمل فترة طويلة من الزّمن، وبذلك عدلت إلى تحقيق الدّيوان كلّه والحمد لله.

  أمَّا عنوان الديوان فهو من اقتراحي، فبعد أن جمعت كلَّ الآثار الشعرية للشاعر اقترحت عليها أوَّلاً عنوانًا من وضعي وهو: “وُجدٌ وأَسى” لما يحمله في نظري من دلالات كثيرة، أما الوُجدُ فهو من وُلُوعه بشيوخه وأصدقائه وابنه الغائب..، بينما كان الأسى من سوء معاملة قومه له وبإبعادهم لابنه عنه، ومن وفاة أمه وشيوخه، وكذا تبدُّلِ أحوال مجتمعه..، وقد عَنوَنتُ به مذكرتي لنيل درجة الماجستير.

لكني بعد ذلك عدلت إلى العنوان الموضوع الآن وهو: ” ديوان ابن بِحمان ” لشهرة هذا العالم بهذا الاسم، فقد كان يُمضي كل أعماله بهذا الاسم فعرفت أنه الأحبُّ إليه فوضعته، وحتى لا يتوهم القارئ بأنَّ العنوان السابق _وُجدٌ وأَسَى_ من وضع الشيخ صاحب الديوان، ثم لأحفظ اسم الشاعر في الذاكرة فيتميَّز به عن غيره من أقرانه.

      إنّ لكّل بحث _مهما صغُر_ فائدته العلمية التي لا تحتاج إلى مُبرّر، ولكنّه لا مانع من ذكر بعض الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع.

لقد كنت وأنا لا زلت طالبا معجبا بالشّعر والشّعراء متذوّقا له حافظ لما يعجبني ويشدّ عقلي وقلبي منه، وقد زاد بي الشّوق إلى البحث في التّراث وفي زوايا التّاريخ، انتسابي إلى منطقة غنيّة بتراثها حاضِرة بتاريخها وشعرائها وأدبائهـا…وهي وادي مزاب.

وحين عُرض عليّ شعر صاحب الدّيوان وقرأته، لأوّل وهلة أحسست بقربه منّي ومن عصرنا الحاضر، _ولعَّلك ستلاحظ في قصائد شكوى الزّمان والحال ذلك النّقد الصريح لأحوال زمانه وكأنّه حيٌّ بين أظهرنا_، كما أردت أن أضمّ قلم صاحب الديوان إلى أقلام شعراء الجزائر الموهوبين _على قلّتهم_ في عصره، ذلك لأنّ العهد العثماني بالجزائر يبقى من الفترات المغمورة التي لم يؤرّخ لها كثيرا كما سبق وأشرت، وهي من ثَـمَّ فرصة لتسليط الضّوء على بعض أحداثها التي شارك في صنعها الشيخ إبراهيم بن بحمان بقلمه البسيط من مسقط رأسه بني يسجن بمزاب.

كما كانت مناسبة مهمة للتقرب من مخطوطات المنطقة ونفض بعض الغبار عنها، والتي لطالما تاقت إلى أيدي الباحثين ليفضّوا مكنوناتها، ويخرجوا ما استطاعوا منها ليرى النور، وينال نصيبه من الدراسة والتحقيق.

        وقد قدمت مذكرتي للمناقشة إلى كلية الآداب واللغات بجامعة الجزائر في بداية سبتمبر 2005م، ونوقشت بتاريخ: الثلاثاء 24 رمضان 1427هـ الموافق لـ: 17 من أكتوبر 2007م بتقدير حسن، وإيمانًا مني بضرورة تعريف الخلف بتاريخ السلف فإنِّي رأيت ضرورة إخراجها في هذه الحلة حتى ترى النور طبعًا بعد استدراك بعض التعاليق عليها، حتى تزيدني حزمًا وعزمًا على المزيد من العمل في هذا المجال، وبالله التوفيق.

طريقتي في البحث:

لقد ملكت إعجابي شخصية الشّيخ الحاج إبراهيم بن بِحمان، لأنّه كان طيلة حياته يخدم العلم والمجتمع، ويسعى في تحصيل العلم ونشره، كما لا تفتر همته عن توعية المجتمع وإرشاده وإصلاحه.

      لقد شدّتني إليه همّته العالية رغم توالي النّكبات عليه وعلى بلاده، فتراه يراسل هذا ويجيب عن أسئلة هؤلاء، ويعلق على الكتب، ويفسّر القرآن الكريم، ويشرح الأحاديث، ويرحل بعزيمة المؤمن الصّادق إلى أداء مناسك الحجّ بعد أن يضع في ذلك كتابا([1]) يُبيّن آدابه ومقاصده..، لقد ملكت إعجابي هذه الشّخصية التي لم تتقيّد بحدود تخصص ضيّق أو معيَّن.

   وأحسبه قد تأثّر في ذلك بالوارجلاني أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم، حين علّق على شخصه وكتابه الدّليل والبرهان، هذا الذي قال فيه الدّرجيني([2]) في طبقاته: »..هو بحر العلم الزّاخر المسخّر للنّفع فترى الفلك فيه مواخر، الرّفيع القدر والهمّة، الجامع لفضائل كلّ أمّة، المحتوي على علوم جمّة، … إذ كان له في كل جوّ متنفّس، ومن كلّ نار مقتبس، وهذا الشّيخ (أي الوارجلاني) له يد في علم القرآن، وفي علم اللّسان، وفي الحديث والأخبار، وفي رواية السّير والآثار..« (

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رحلة القُطب الحجازية

كتبها بن بهون ، في 5 سبتمبر 2007 الساعة: 19:34 م

رحلة القطب:   

هذا العمل هو تكملة لمشوار السلسلة التي بدأتها تحت عنوان: “من الرحلات الحجازية لعلماء المغرب الإسلامي” يشرفني أن أقترب إليك اليوم أيها القارئ الكريم بهذا العمل المتواضع، لأقف مع مرة أخرى لحظات مع عالمٍ رحالة، سجّل لنا على غرار الوارجلاني الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، والمُصعبي الشيخ إبراهيم بن بِحمان الثميني، الكثير من الملاحظات التاريخية والفنية والفقهية والأدبية في رحلته الحجازية التي نظمها هو الآخر شعرًا، في قصيدة من مائتين واثنين وثلاثين بيتًا، يروي فيها بعض تفاصيل أحداث رحلته الطويلة والشاقة. 

 

يعد أدب الرحلات أحد أبدع الفنون الأدبية وأرقاها، لما يحمله من فوائد عديدة متنوعة، منها الفكرية والأدبية، ومنها التاريخية والاجتماعية، وإلى غير ذلك كثير، ناهيك عن الأخبار والطرائف التي يتنزه فيها القارئ مع صاحب الرحلة، ويتعرف من خلالها على المدن والآفاق، وعادات الطوائف والأقوام في مختلف الأمصار..، هذا وقد حفظت لنا يد الزمن بعض الآثار المكتوبة عن بعض الرحلات الحجازية خلال تاريخ المغرب الإسلامي الحافل، وفي كل فترة تاريخية مهمة منه، كان يبرز هنا أو هناك أديب أو شاعر رحالة يخط لنا للتاريخ والأدب آثار رحلة حجازية كان قد سافر لها في فترة ما من حياته.

ولم تكن هذه الرحلة كسابقاتها من الرحلات، فهي تمتاز بتقييدات فقهية مهمة من مؤلفها ومن شيوخ الحرم في عهده، وتعكس إلى جانب ذلك التواصل العلمي والفكري بين علماء المشرق والمغرب الإسلامي، وكذا إرساء دعائم التفتح الفكري على المذاهب الإسلامية المختلفة وغيرها، ولعلي أترك القارئ الكريم يستخرج ما بقي منها من خلال قراءته المتأنية لنص القصيدة.

            المؤلف: العطف في 08/08/2007 

يُعدُّ القُطب الشيخ امحمد بن يوسف أطفيَّش من أشهر نوابغ علماء الإباضية المجددين في العصر الحديث، فهو عالم ومُعلِّمٌ ومُتعلم يخدم العلم والمجتمع، ويسعى في تحصيل العلم ونشره، كما لا تفتُر همته العالية عن توعية المجتمع وإرشاده وإصلاحه.

لقد شغل هذا العالِم زمانه ومكانه، لذلك فقد يقف المتتبع لآثار حياته مذهولاً أمام ذلك النبوغ الفريد، وتلك الهمّة العالية التي لا تعرف الكلل ولا الملل، رغم توالي النّكبات عليه وعلى بلاده، فقد كتب هذا العالم في كل الفنون تقريبًا ونظم المنثور وهو ابن ستة عشر ربيعًا([1])، ثم تراه يدرِّس الطلاَّب مختلف الفنون، ويألف ويفسر ويشرح ويقابل وينظم وينثر، وحتى يراسل الوجهاء من مختلف الأصقاع، ويجيب عن أسئلة المستفتين، ويعلق على الكتب، ويرحل بعزيمة المؤمن الصّادق لأداء مناسك الحجّ ونشر دعوة الحق والفضيلة وترسيخ أواصر التواصل بين المسلمين رغم صعوبة المطلب وكثرة المطب..، لقد ملكت إعجابي هذه الشّخصية الموسوعية التي لم تتقيّد بحدود تخصص ضيّق أو معيَّن.

إنّ الموسوعية والتنوّع الذي تميّز بهما القُطب أطفيَّش فيها تأثّر كبير بمسيرة علماء السلف من القدماء والمحدثين([2])، ممن تميزوا بالتأليف الموسوعي.

ولعلّ تنوّع مظاهر النّبوغ فيه، رسّخ جدوى جعل العلم في خدمة واقع الحياة، إذ إنّ من حسن حظّ المكتبة الجزائرية والإسلامية أن حفظت لنا يد الزّمن مجموع مؤلّفات القُطب أطفيَّش _على ما وصل إلينا_ والتي بين أيدينا اليوم، لتكون شاهدا على فترة تاريخية مهمّة من حكم الاستعمار الفرنسي بالجزائر، إذ يشاء الله أن ينبري بصحراء الجزائر الحبيبة _كما انبرى غيره في شمالها_ من يقف حجر عثرة أمام تجسيد المستعمر لطموحاته في “فرنسة الجزائر” وتنصير شعبها المسلم، فقاوم المستعمر بقلمه المنافح عن عزة الإسلام والمسلمين من خلال جهاده في التربية والتوجيه، فخرَّج من معهده([3]) من شيَّب المستعمر وأنساه حُلم امتلاك الجزائر ولو جزء منها.

وحتى بعد سطوع نجم هذا العالِم في الجزائر والعالم الإسلامي حاول المستعمر الفرنسي التقرُّب إليه بالهدايا والنَّياشين([4])، لكن ذلك لم يشفع لهم بالقليل ولا الكثير عند القُطب للتوقف عن التشهير بسياسة المستعمر في كل مرة، حتى فُرضت عليه الإقامة الجبرية وسُلِّط عليه أذناب المستعمرين ممن باعوا ضمائرهم للأعداء، لينغِّصوا عليه معيشته وينفِّروا الناس من حوله، فلم يزدد نجمُه إلاَّ سطوعًا ولم يَسِل قلمُه إلاَّ علمًا غزيرًا.

لقد جمع القُطب إليه طلبة كثيرين أخذوا منه الكثير من وقته في التدريس، وإضافة إلى ما يتطلبه التعليم من جهد فإن ذلك لم يثن من عزم الشيخ في اشتغاله بنسخ المخطوطات لنفسه ولمن ينتفع بها من طلبته، فقد كتب القُطب معظم كتبه بخطّه، ووقّعها بنفسه كذلك، إلاّ ما صار متداولاً بكثرة وما وصل إلى المطابع الحجرية في وقته، وهو ما يمكن اعتباره دليلا واضحًا على رقي مؤلفاته، وذيوع صيته في عصره وبعده.

صاحب الرحلة هو: امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن اسماعيل ابن محمد بن عبد العزيز بن بكير الحَفصِي، أطفيَّش أشهر عالم إباضيٍّ بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة، من عائلة شهيرة بالعلماء من بني يسجن، غرداية، الجزائر، من عشيرة آل بامحمد([1])، وينتهي نسبه إلى عمر بن حفص الهنتاتي، من العائلة الحفصية المالكة بتونس بين (625-983هـ/ 1229-1574م)، وفي بعض كتبه يُنهي القُطب نسبه إلى المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من الرحلات الحجازية لعلماء المغرب الإسلامي

كتبها بن بهون ، في 4 يونيو 2007 الساعة: 23:57 م

سوف تصدر قريبا ثلاثة مؤلفات جديدة للأستاذ  يحيى بن بهون حاج امحمد، الباحث في التراث و تحقيق المخطوطات، وهي عبارة عن تحقيق ثلاثة كتب تاريخية تصدر تحت سلسلة : "من الرحلات الحجازية لعلماء المغرب الإسلامي"،  وهي :

- تحقيق كتاب : رحلة الوارجلاني : الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني .

- تحقيق كتاب : رحلة المصعبي : الشيخ ابراهيم بن بحمان بن أبي محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني اليسجني المصعبي .

- تحقيق ديوان ابن بحمان : الشيخ ابراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي .

و يأتي إصدار هذه الأعمال تحت رعاية وزارة الثقافة الجزائرية، في إطار تظاهرة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية، و هي حاليا تحت الطبع 2007

" .

 

نبذة مختصرة عن المؤلف  : يحيى بن بهون حاج امحمّـد

 مكان الميلاد والإقامة : العطف، ولاية غرداية، الجمهورية الجزائرية، مْزاب ، الجزائر .

البريد الإلكتروني : benbouhoun@hotmail.com

الشهادات المحصل عليها :
شهادة ماجستير، تخصص تحقيق مخطوطات .
شهادة تقدير في حفظ و ترميم المخطوطات .
شهادة الليسانس  في اللغة والأدب العربي .
شهادة تقدير في المكتبية - الإعلام الآلي -

اللغات المنطوق بها :

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في ذكرى مظاهرات عيد الحرية بالجزائر 14/07/1937

كتبها بن بهون ، في 18 أغسطس 2009 الساعة: 11:39 ص

بسـم الله الرحمـن الرحيـم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الطيّبين وسلم تسليما وبعد

          الأستاذ: يحي بن بهون حاج امحمد

        معهد الآداب واللغات والإعلام

         قسم اللغة العربية وآدابهـا

         جامعة الدكتور يحي فارس

       حي عين الذهب، المديّة 26000                                         

                                      المدية في: 14/07/2009                

           في ذكرى مظاهرات عيد الحرية بالجزائر []14/07/1937

 

تمرّ اليوم اثنان وسبعون سنة كاملة على وقوع أول مظاهرة وطنية حاشدة في تاريخ الجزائر الحديث تطالب باستقلال الجزائر عن فرنسا، وقد كان أبطالها زعماء "حزب الشعب" ومن انضم إليهم من الجموع الغفيرة جدا من مناضلي هذا الحزب العتيد ومن الوطنيين الأحرار الذين تاقت نفوسهم للخلاص من براثن الاحتلال الفرنسي الغاشم..

دعوني أنقل لكم جزءًا من وقائع تلك المظاهرة التاريخية الحافلة، تماما كما رصدها قلم أحد أكبر صانعي تاريخ "حزب الشعب الجزائري" (PPA)، وأحد رموز تاريخ الجزائر الحديث في نضالها السياسي وثورتها التحريرية المظفرة، إنه الأستاذ الراحل مفدي زكرياء _رحمه الله_، فقد كتب سلسلة مقالات تاريخية نشر كثيرا منها في الصحافة التونسية، وعرى بها المشهد السياسي الفرنسي الفاضح الذي كان يصنعه الفرنسيون بأيدي بعض الرعاديد الجزائريين، ومن جملة ما كتب تداعيات المؤتمر الإسلامي الثاني في صيف سنة 1936، وقد نشر المقال بجريدة النهضة (تونس)، عدد 4409 بتاريخ 30/07/1937.

إن الثورة الجزائرية الكبرى لم تكن لتقوم في نوفمبر من سنة 1954 وتنتصر في جويلية من سنة 1962، لولا العمل السياسي والنضال الكبير الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى مع حركة الأمير خالد في 1919 واستوى ناضجا بعد أحداث الثامن من ماي 1945، وخلال هذه المدة الطويلة نوعًا ما فهم الجزائريون في النهاية بأن ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة، تماما كما فهم الفرنسيون بأن الجزائر ليست قطعة من فرنسا، وبأن الشعب الجزائري سيظل عنيدا في طلب استقلاله وحريته، فقد ولد حرّا ولن يحيا إلا حرّا..

 

يقول الأستاذ مفدي زكرياء في مقال مطول متحدثا عن ذلك اليوم التاريخي المشهود:

"عشرون ألف وطني يتظاهرون تحت علم حزب الشعب يتقدمهم الزعيم مصالي الحاج..

 - لتسقط سياسة الاندماج! – نريد برلمانا!..

(تحت مسؤوليتي الأدبية الخاصة وبإمضائي الصريح أكتب هذه الحقائق وأعمدة النهضة الغراء فسيحة لكل من يريد الملاحظة –مفدي زكرياء-).

يوم 14 جويلية هو يوم تذكار لعيد الحرية الفرنسوية، ولقد جرت العادة في فرنسا والمستعمرات أن تخرج الأحزاب السياسية والجمعيات على اختلاف أنواعها وتتظاهر في الشوارع تحت أعلام ورايات وعرائض تتضمن المناداة ببعض الحريات والإصلاحات السياسية والاجتماعية.

وفي العام الماضي قررت جمعية "نجم شمال إفريقيا" الشهيدة([2]) (رحمة الله عليها ورضوانه) أن تشكل مظاهرة عظيمة متركبة من أعضائها وغير أعضائها ممن ينتمون لفكرة هذه الجمعية، وفعلاً وقعت مظاهرة عظيمة ضمت نيّفا وعشرة آلاف مسلم يلهجون بلسان واحد طالبين إسقاط قوانين الأندجنيا([3])، وإرجاع الحرية الدينية، والاعتراف برسمية اللغة العربية، وكانت هذه المظاهرة خاصة بالمسلمين الوطنيين، بيد أن المؤتمر الإسلامي الجزائري آنذاك لم يرد أن يندمج تحت راية هذه المظاهرة واختار الاندماج مع موكب الشيوعيين، فتظاهر معهم رافعا صوته بالنشيد الشيوعي المعروف، قابضا يده مع القابضين([4]).

أما في هذه السنة فإن المؤتمر لم يخرج للمظاهرة أصلا ولا ندري لماذا ولعل هذا له علاقة بنتائج الدروس التي تلقاها الشعب أثناء دورته الثانية (ولله غيب السموات والأرض).

أما حزب الشعب فقد اجتمع في جلسة عامة وقرر رسميا تكوين مظاهرة عظيمة تكون اكبر من ذي قبل، وأعطى الأوامر اللازمة لجميع فروعه المائة بعاصمة الجزائر، وشكل لجنة خاصة تتولى تنظيم هذه المظاهرة والسهر على حفظ الأمن فيهان وقد كان يشارك في هذه التحضيرات كلها رؤساء الفروع المركزية بعواصم العملات الثلاث([5]) وبفرنسا.

وما كاد يتنفس فجر يوم 14 جويلية حتى كانت الساحة الكبرى (شان دومانفر) ([6]) غاصة بالخلائق من جميع الأحزاب والهيئات وأخذ كل فريق ينظم موكبه على حدة، مثل: الحزب الشيوعي، وجمعية الإغاثة الحمراء، وجمعية أمستردام، وجامعة عموم النقابات، والشباب الشيوعي، وغير ذلك من الأحزاب والجمعيات.

أما حزب الشعب فقد عسكر في آخر الموكب وهنالك نظم موكبه الرهيب الرائع الذي كان يضم ما يربو عن عشرين ألفا كما ذكرته الجرائد المحلية غداة المظاهرة، وكان يشمل عدا ذلك من ثلاثمائة امرأة جاء بهن الشيوعيون ليزجوا بهن في الموكب الشيوعي، ولكن لما رأين العلم الوطني الأخضر يتألق بهلاله الأبيض ويرفرف فوق رؤوس المسلمين خرجن من الجناح الشيوعي وفررن فرارا إلى حيث يوجد بنو عمومتهن المسلمون، وإلى حيث توجد الكرامة والعفة والنزاهة، ومما يسترعي النظر بصفة خاصة هو أن جميع الأبناء المتشردين المشتغلين بمسح الأحذية والحمولة، الذين قضى عليهم الاستعمار الغاشم بالطرد من المدارس، بعدما سلبهم أرضهم وأموالهم وتركهم هَمَلاً شرّدا في الطرقات عرضة لجميع الإذايات والشرور..، هؤلاء كلهم جاءوا ليتظاهروا مع الموكب الوطني حاملين (صناديق السِّيراج) ليسجلوا بصورة واضحة على الاستعمار ما هم عليه من الويل والثبور، وليعطوا درسا قاسيا تطبيقيا لأولئك الأغنياء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله عن الاشتغال بتربية الأبناء المساكين وتعليمهم، ولأولئك الذين يرفضون أمام سياسة التفرنس والاندماج، "والطير يرقص مذبوحا من الألم".

  لقد كون هؤلاء الأبناء شكلا محزنا بعددهم الذين ينوف الأربعة آلاف، مساكين أيديهم تعلوهم سحائب البؤس والكآبة والفقر والتعاسة، وتلوح عليهم علائم النجابة الغريزية والذكاء الإفريقي الفياض، منظر تتفطر له الأكباد الحساسة، وتنفجر له القلوب الواعية وتذوب له الأفئدة العربية الطاهرة، فكأنه في مجموعة قصيدة من شعر كئيب بحروف من نار جهنم أمرتها السماء.

وإن أَنسَ فلا أَنسَ منظر ذلك الرجل العظيم الزعيم مصالي الحاج، وقد تحول من مكانه الرسمي الذي كان واقفا به أمام الموكب، وأسرع كالبرق الخاطف يخترق جموع هؤلاء الأبناء ويقف وسطهم ماسكًا بأيديهم ذات اليمين وذات الشمال، وهو يقول لأصحابه وعيناه مغرورقتان بالدموع دعوني دعوني مع هؤلاء الأبناء فهم أعز إليَّ من كل هذا الشعب..!

 تحركت المواكب، فتحرك موكب "حزب الشعب" في روعة وجلال ووقار، وانطلق صارخًا في الفضاء بنشيده الوطني الخالد _مرددا_ "فداء الجزائر روحي ومالي ـ ألا في سبيل الحريـة"([7]).

ومعيدا عشرات المرّات في نشوة الفخور الواثق بنفسه، المعتز بإيمانه..

         فلسنا نرضى الامتزاجـا               ولسننا نرضـا التجنيسا

         ولسنا نرضى الاندماجـا              ولا نـرتـدّ فرنسيـسا

         رضينا بالإسـلام تاجـا               كفـى الجهّـال تدنيسا

                 فكل من يبغي اعوجاجًا                 رجمنـاه كـإبليـسا

فكنت تسمع البناءات الشاهقة تتجاوب أصداؤها مع صوت تلك الجموع الجرارة المتدفقة كالسيل العرم يحدوها الإخلاص والإيمان، ويدفعها العزم الصادق ويذكيها دم التضحية والفداء.

وإذا قلنا إن الجزائر لم تشاهد في تاريخ حياتها منظرا كهذا أبدا، إلا في عهد "حزب الشعب" فنحن نفتخر بهذا القول ونباهي بـ"حزب الشعب" الذي نفخ في بوق الوطنية _نفخته الأولى_ فلبته الأرواح والمُهج وافتدته الجوارح والنفوس، ولقد كنا نشاهد قبل اليوم بالجزائر، جموعا كهذه ولكن للأحزاب الأجنبية من شيوعيين وفاشيست، أين كان المسلمون ينادون معهم "السوفييت في كل مكان" أو يترنمون معهم النشيد الذي يقول: "نِي دْيُو نِي سِيزَارْ – لا إله ولا إسكندر"، أما اليوم فإن "حزب الشعب" عَلَّم أبناء الشعب أن لا يتكلموا إلا على أنفسهم، وان لا يعملوا إلا في مجموعتهم، وأن لا يترنموا إلا بنشيدهم، وأن لا يشيدوا إلا بوطنيتهم، وأن لا يطالبوا إلا بتحرير بلادهم، ولذلك فأنت تسمع هذه الجموع تنادي وهي تخترق الأنهج الجزائرية الكبرى: - احترموا الإسلام، - اجعلوا العربية رسمية بالبلاد، - أرجعوا الأوقاف والأحباس، -حرروا المساجد، - أعطونا المدارس العربية، - مكّنوا الفلاحين الأرض، - ليسقط قانون الأنديجينا، - نريد برلمانا جزائريا، - ليسقط مشروع فيوليت وسياسة الاندماج، - "الإسلام ديننا" – "الجزائر بلادنا" – "العربية لغتنا"، "خُلقنا أحرارًا، يجب أن نعيش أحرارًا".. تلك هي التعاويذ التي كان يتلوها هذا الجيش المتلاطم، فكنت تسمع أصواتًا ملائكية من أؤلئك الأبناء الصغار متقضبة مختنقة كأنها أهازيج الحياة فوق قيتارة اللانهاية، وكنت تسمع زغاريد النساء وولاول الأمهات كانها اصوات سحرية تنبعث من العوالم الخفية لتملأ هذا القلب الإنساني حماسًا وقوة وإرادة، فلا تنقطع الزغاريد، ألا وترى أولئك الأشبال تندفق بقوة كأنها تريد افتكاك قرص الشمس من كبد السماء، فعلى مثل هؤلاء فلتزغرد النساء وبأمثال هؤلاء فلتفتخر الجزائر!، وكيف لا، وهم الذين بالأمس أوحوا معاني النصر لفرنسا وعلموها قواعد الغلبة والظفر.

ألقت المواكب عصاها، واستقر بها النوى في ساحة الولاية العامة([8]) وما أن توسط موكب الوطنيين وملأ تلك البطحاء الفسيحة، حتى كان الزعيم مصالي الحاج مرفوعا على الأكتاف يلقي خطبة وطنية على أبنائه الأوفياء ودام نصف ساعة كاملة يلقي تلك الروائع الخالدة على الشعب الذي كان يتجاوب بالتصفيق تارة وبالتهليل والتكبير تارة أخرى.

ولما تم خطابه أمر الشعب بالذهاب إلى المحلات وملازمة الهدوء والنظام، فتفرق كل إلى حال سبيله ولم يقع أي حادث، رغم احتكاك البوليس، وقضي الأمر وقيل الحمد لله رب العالمين".     مفدي زكرياء.

وعلى هامش تلك المسيرة الوطنية الحاشدة تهافتت الصحافة الفرنسية بكل اتجاهاتها يمينية ويسارية إلى الكتابة عن ما جرى في يوم 14 من جويلية 1937، مما صار مبعثا للرعب والقلق في الدوائر الفرنسية الرسمية والأحزاب المضادة لحزب الشعب، ومما كتب على سبيل المثال في جريدة "إيكو دَالجي": "..يجب على فرنسا قبل أن تهتم بالخطر الشيوعي أن تتخذ ألف حساب لحركة الوطنيين التي أصبحت تزداد قوة يوما بعد يوم، وتتقدم باطّراد وبسرعة مدهشة.."، وقد فعلت مثال هذه الكتابات فعلها في النفوس، وجعلت الدوائر الحكومية تُجمع أمرها وتدخل مرحلة جديدة وهي التفتيش العام للمحلات الوطنية ومطاردة النخبة الوطنية في كل مكان..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حَـادِثَـةُ صالح بَـاي (الحلقة الأولى)

كتبها بن بهون ، في 17 فبراير 2009 الساعة: 08:41 ص

حَـادِثَـةُ صالح بَـاي([1])

 

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم

صَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا وَمَولاَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلّم

وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ فِي سَنَةِ سِتَّة وَمَائتَينِ وَأَلفٍ([2]) مِن بَعدِ هِجرَةِ سَيِّدِنَا وَمَولاَنَا مُحَمَّدٍ بن عَبدِ الله _صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلّم_ مِن أُمُورٍ عِظَامٍ، وَأَهوَالٍ جِسَامٍ، وَمِن جُملَتِهَا أَنَّ عَدُوَّ الله وَالمُسلِمِينَ “البَائِي([3]) صَالح” صَاحِبُ الوِلاَيَةِ الشَّرقِيَة([4]) _عَلَيه اللّعنَةُ المُتَّصِلَةُ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَالتّصلِيَةُ بِنَارِ الجحِيمِ، وَالتَّعذيبُ بِأَنوَاعِ العَذَابِ الأَلِيمِ_، قَد دَخَلَ بَلَدَ الجَزَائر وَاشتَرَى مِن المَولَى “حَسَن الدُّولاَتلي”([5]) بِلاَدَ بَنِي مُزاب أَن يَكُونَ أَمِيرًا عَلَيهِم بِعِدَّةٍ مِن أُلُوفٍ لاَ تُحصَى([6])، وَأَن يَجعَلَ أُمُورَهُم بِيَدِهِ، وَجَهَّـزَ لَهُ مَا جَهَّـزَ، مِمَّا لاَ يُعدُّ وَلاَ يُستَقصَى، وَقَد تَمَنَّى ذَلِكَ اللَّعِينُ وَتَرَجَّى أَسرَهُم وَسَبيَ النِّسَاءِ وَالصِّغَار([7])، وَحَدَّثَ بِهِ نَفسَهُ آنَاءَ اللّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ.

اضطَرَبت أَودِيَةُ بَنِي مُزَابٍ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ الخَبَرَ الشَّنِيعَ، وَصَحَّحُوا هَذَا الأَثَرَ الفَظِيعَ، وَزُلزِلُوا زِلزَالاً شَدِيدًا حَتَّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ([8])، [فلتَجَؤُا] ([9]) إِلَى الله سُبحَانَهُ بِجَمِيعِ الشَّرَاشِرِ([10])، وَتَضَرَّعُوا إِلَيهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، إِذ “لاَ مَلجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيهِ”([11])، وَخَضَعُوا لَهُ بِطَوِيَّةٍ صَافِيَةٍ، فَآوَوا إِلَى قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي الأَمَاكِنِ العَظِيمَةِ الشَّأنِ يَومَ الإثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ([12])، وَكَثَّرُوا بِالصَّدَقَةِ وَالمَعرُوفِ، وَسَوَّوا بَينَ الكَرِيمِ وَالخَسِيسِ، فَرَفَعُوا شُؤُونَهُم لكتابه إبراهيم بن عبد الرحمان([13])، مُرِيدِينَ مِنه مَكتُوبًا يَكتُبُهُ لَهُم فِي ذَلِكَ الشَّأنِ، إِلَى ذَلِك السُّلطَانِ العَالِي القَهرَمَان الغَالِي، فَامثتَلَ مَا أَتَوا بِهِ إِلَيهِ فِي السَّاعَةِ وَالحِينِ، وَأَرسَلُوهُ إِلَى ابنِهِم إِبراهِيم بن صالح الأمين([14])، وَأَدخَلَه إِلَيهِ عَلَى يَدِ صِهرِهِ الحاج عَلي بن عَبد اللَّطِيف([15])، الآتي ذِكرُهُ الشَّهِير عَن التَّعرِيف، وَقُرِأَ عَلَيهِ وَأَصغَى إِلَيهِ غَايَةَ الإصغَاءِ، وَأَثَّرَ فِي نَفسِهِ تَأثِيرًا عَجِيبًا، وَكَفَّه بِحَمدِ الله سُبحَانَهُ عَنِ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَرَجَعَ فِي حِينِهِ وَسَاعَتِهِ عَمَّا فَعَلَهُ لِذَلِكَ اللَّعِينِ، وَنَقَضَ مَا أَبرَمَهُ لَهُ عَلَى رُؤُوسِ العَالَمِينَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ أَن يَرجِعَ عَمَّا عَزَمَهُ وَيُخلِيَ سَبِيلَ بَنِي مُزاَب وَحَذَّرَهُ وَأَكَّدَ عَلَيهِ أَن لاَ يَذكُرَهُم وَلَو بِاللّسَانِ، مَا دَامَ مُرُورَ الزَّمَانِ، فَلَّمَا وَصَلَهُ خَبَرُ المَولَى، أَنِفَ وَأَبَى وَاستَكبَرَ، وَعَلَى وَغَضِبَ غَضَبَ الخَيلِ عَلَى اللِّجَامِ، وَغَاظَهُ([16]) الحَالُ حِينَ رَدَّ عَلَيهِ وَأَبطَلَ أَمرَهُ بَينَ الأَنَامِ، فَبَعَثَ إِلَيهِ بِاعتِزَالِهِ، وَبِمَن يَقُومُ بَدَلَـهُ فِي مَكَانِهِ، فَاحتَالَ عَدُوُّ الله وَرَسُولُهِ، إِلَى قَتلِ القَـادِمِ عَلَيهِ وَجمعٍ مِنَ أَصحَابِهِ، فَقَـتَلَ مِنهُم جَمًّا غَفِيرًا، فَجَدَّدَ إِلَيهِ الدّولاَتلِي رُؤُوسَ مَملَكَتِهِ فَأَخَذُوهُ وَمَزَّقُوهُ تَمزِيقًا عَظِيمًا، وَفَصَّلُوهُ عَلَى أَربَعَةِ أَجزَاء وَشَتَمُوهُ تَشتِيمًا أَلِيمًا، وَفَعَلُوا بِهِ وَبِدَائِرَتِهِ مَا يَعتَبِرُ بِهِ جَمِيع الأَنَامِ([17])، وَيُذكَرُ مَا دَامَتِ اللَّيَالِي وَالأَيَّام، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ بِبَرَكَةِ مَذهَبِنَـا، وَحُرمَةِ مَنهَجِنَا، وَفَضلِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَحُسنِ المِنهَاجِ المُستَقِيمِ.

 



[1] - ينظر: ديوان ابن بحمان، الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي المتوفى 123هـ/1817م، دراسة وتحقيق، يحي بن بهون حاج امحمد، دار الهدى عين مليلة الجزائر، ط1، 2007، ص 211 وما بعدها.

[2] - 1206هـ/ 1794م .

[3] - البائي: هنا معناها المتكبّر، وهو يقصد بها أيضا الباي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جريدة وادي ميزاب 1926 - 1929

كتبها بن بهون ، في 26 يناير 2009 الساعة: 09:00 ص

بسـم الله الرحمـن الرحيـم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الطيّبين وسلم تسليما وبعد

       الأستـاذ: يحي بن بهون حاج امحمد

        معهد الآداب واللغات والإعلام

          قسم اللغة العربية وآدابهـا

      المركز الجامعي الدكتور يحي فارس

      حي عين الذهب، المـدية  26000                                       

                                                                                        المدية في: 18/01/2009

 

ملامحُ جهادٍ في الذاكرة

“جريدة وادي ميزاب “

1926 – 1929

 

تمر اليوم ثمانون (80) سنة كاملة على أفول نجم أول جريدة إصلاحية عربية للشيخ إبراهيم أبي اليقظان، وهي جريدة “وادي ميزاب”، وإنها فرصة عزيزة أن نُحيي اليوم هذه الذكرى الغالية علينا، ونقف بخشوع وإجلال لأبي الصحافة العربية الجزائرية على عظيم جهاده وجليل إنجازاته التي تظل بحاجة ماسة لإبراز فضائلها، حتى يعرفها الناشئة والشباب فيحذوا حذوها، ونحن اليوم أحوج ما نكون لنتأمل مرات ومرات في جهاد مثل هؤلاء الأعلام، كيف لا وقد تعددت السُّبل والتَوَت في زمن العولمة الذي تطورت فيه وسائل الطباعة وتكاثرت العناوين وتنوعت، واختلفت التوجهات والتطلعات..، تظل رغم ذلك تجربة أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر رائدة في نوعها وحجمها، خاصة إذا ما قيست معطيات اليوم بظروف الأمس التي وُجدت فيها صحافتهم، وتأملنا إمكانياتنا اليوم وإمكانيات أصحابها بالأمس، وكذا مستوى ما يُطرح اليوم ومستوى ما كان يُطرح ويناقش بالأمس، وقِس على ذلك كل ما يمكن مقارنته والقائمة طويلة..

عن هذه الجريدة يقول أستاذنا الجليل الدكتور محمد صالح ناصر: “..فعلى الرغم من إمكانية اعتبارها امتدادًا للصحافة الإصلاحية، لأنها شبيهة بجرائدها اتجاهًا، فإن الذي يفردها ويميِّزها عن باقي الصحف العربية الأخرى هو ما تنفرد به من حرارة لهجة في مخاطبة السلطة الاستعمارية الحاكمة وصراحةٍ مباشرة في معالجة الأمور، ومواقف ثابتة في مواقف الظلم والاضطهاد، وتعقّبٍ علني لكل مظاهر الانحراف، مما جعلها تفتح عدة جبهات في وقت واحد..” ([1]).

الشيخ إبراهيم أبو اليقظان في سطور:

ولد الشيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان، بآت لـﭭرارة (القرارة) من وادي مزاب، غرداية، الجزائر، (29 صفر 1306هـ/ نوفمبر 1888  (وبها تعلم مبادئ العلوم العربية والشرعية، وعمره 19 سنة شد الرحال إلى (آت يزجن) ليتتلمذ على يد “قطب الأئمة” الشيخ امحمد بن يوسف أطفيَّش _رحمه الله_، فكان من أبرز تلامذته وأنجبهم.

وحوالي سنة 1909 قصد بيت الله الحرام وعمره 21 سنة، وكان ينوي الإقامة بمصر للدراسة لدى عودته، ولكن فقره حال دون أمنيته، ولو أن هذه الرحلة فتحت أمام عينيه آفاقا واسعة حيث زار الحجاز والشام، وتركيا، وليبيا، وتونس.

في سنة 1912 التحق بجامع الزيتونة بتونس طالبا، ثم صار رئيسا لأول بعثة طلابية مزابية بها سنة 1925 وعمره 25 سنة، فكان المثال الحي والقدوة الحسنة للطالب الجاد والغيور على وطنه.

وهو بتونس انخرط في معترك السياسة، وأصبح تلميذا وفيا للشيخ عبد العزيز الثعالبي زعيم الحزب الدستوري التونسي، فصار عضوا في التشكيلة الفدائية السرية التي كانت تتطلع إلى تحرير شمال إفريقيا من ربقة الاستعمار الفرنسي، إلى أن صار عضوا نشيطا في اللجنة التنفيذية للحزب بواسطة الشيخ صالح بن يحي، كما كان يشارك في الصحافة المصرية بقلمه الوطني الحر.

شارك في العديد من الحركات الوطنية، وفي لجنة إغاثة فلسطين سنة 1948.

 

 406yak

الشيخ أبي اليقظان رحمه الله في كهولته

 

 

 123296

الشيخ أبي اليقظان رفقة لجنة إغاثة فلسطين سنة 1948

 

جهـاده الصحفي:

لقد عُرف أبو اليقظان مجاهدًا كبيرًا بقلمه في سبيل القضايا العادلة، ففي أكتوبر من سنة 1926 بادر إلى إنشاء أول جريدة عربية باسمه تحت عنوان (وادي ميزاب) أرادها لتكون لسان حال الفكر الإسلامي عمومًا والجزائري خصوصا، ولأن قلمه لا يُهادن ولا يُنافق، فإنه تجرع في سبيل سير صحافته الغُصص، وتحمل المشاق المادية المرهقة، يكفي أن نعرف أن جريدته هذه كانت تُحرر بالجزائر وتطبع بتونس، ثم تعود بالقطار لتوزع في الجزائر هكذا كل أسبوع طيلة عامين ونصف لم تتخلف فيها عن الظهور قط، وكان يعاونه في طبعها زميلاه الشيخ محمد الثميني، وتعموت الشيخ قاسم بن عيسى، وليس من السهل أن يتحمل فرد مسؤولية جريدة تُطبع بتونس وجمهورها ومحرروها بالجزائر على أن تصدر في موعدها المحدد لها من كل أسبوع بدون تخلف مدة ستة وعشرين (26) شهرًا أصدرت خلالها 119 عددًا([1]).

وقد ظل ينافح بقلمه النزيه طيلة 13 سنة، لم تذق فيها السلطات الاستعمارية طعم الراحة والهدوء، وظل يطالعها في جرائده الرائدة بكل ما هو وطني وإسلامي، يُقظُّ مضجعها، وكانت جريدة (وادي ميزاب) بداية لذلك الجهاد المرير، حيث أصدر خلالها ثماني جرائد أسقطها الاستعمار الواحدة تلو الأخرى، للهجتها الوطنية الصارخة.

وتوجد نسخ منها بالمكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، وهي التالية:

  (وادي ميزاب) 119 عددا، من 01/10/1926 إلى 18/01/1929  

  (ميزاب) عدد واحد، 25/01/1930

  (المغرب) 38 عددا، من 29/05/1930 إلى 09/03/1931   

  (النور) 78 عددا، من 15/09/1931 إلى 02/05/1933

  (البستان) 10 أعداد، من 27/04/1933 إلى 13/07/1933

  (النبراس) 6 أعداد، من 21/07/1933 إلى 22/08/1933

  (الأمة) 170 عددا، من 08/09/1933 إلى 06/06/1938  

   (الفرقان) 6 أعداد، من 08/07/1938 إلى 03/08/1938

ومن أبرز جهود أبي اليقظان في الميدان الثقافي الوطني، إنشاؤه المطبعة العربية التي تعد من أوائل المطابع العربية الوطنية بالجزائر العاصمة، إذ كانت تطبع بها أغلب المؤلفات العربية الوطنية، والصحف الإصلاحية، والمنشورات الثورية.. ([2]).

وتوفي الشيخ أبو اليقظان بالقرارة بعد مرض عضال وصراع طويل مع داء الشلل النصفي الذي أصابه سنة 1957، ودفن بمسقط رأسه _رحمه الله_ يوم: 26 صفر 1396هـ/ 30 مارس  1973  .

 

أهداف جريدة وادي ميزاب:

ذكر الشيخ أبو اليقظان _رحمه الله_ في افتتاحية العدد الأول من جريدته “وادي ميزاب” مجموعة من الأهداف التي عمل وفقها وتحققت جميعها حتى كانت السبب في تعطيل جريدته تلك، وهي:

أولا: تأييد الحق والحرية والعدالة والمساواة بأتم معنى الكلمة بين كافة الأجناس المتساكنين في الجزائر.

ثانيا: السعي في بث روح الإتحاد والتضامن بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم، وتأييد الصلات المتعددة بينهم، ومعاضدة الصحافة الأهلية الحرة في كل ما ترتاده من طرق الإصلاح، وبذل الجهد في إزالة الشحناء والبغضاء وسوء التفاهم.

ثالثا: أن تحسن الوساطة بين الأمة والحكومة بإزالة سوء التفاهم بينهما، وتشخيص أدواء الأمة وآمالها وإبلاغ رغائبها بكل صراحة.

رابعا: بذل الجهد في مقاومة الرذائل ونشر الفضيلة.

خامسا: حث الأمة على اكتساب العلوم والمعارف وإحياء اللغة العربية وتربية أبنائها تربية إسلامية صحيحة.

وغايتها في كل ذلك ترقية مدارك الأمة لرفع مستواها بدقة، وأحكام مستوحاة من واقع الأمة الجزائرية في بداية نهضتها، في كل الميادين الحيوية اجتماعًا واقتصادًا وسياسة وثقافة، وأشد ما كانت عنايتها ملحّة وأكيدة هو بناء الشخصية الوطنية والتشبث على مقوماتها، سواء أكان ذلك في محيط القطر كجزائريين أو في دائرة الوطن العربي الإسلامي كعرب.

وقد خاضت الصحيفة مند بدايتها في كل الميادين الحساسة خاصة الميدان السياسي، والاجتماعي والديني، والميدان العربي والإسلامي، وكذا التربوي والثقافي، وحتى الاقتصادي..

ولأن أبا اليقظان كان صريحا فقد نهج بجريدته منهج الصراحة والقصد في معالجة المواضيع، وقد أعلن عن منهجها في إحدى افتتاحياتها: “إن منهج الجريدة هو الصراحة والنزاهة والصدق والإصداع بالحق وخدمة الصالح العام، لا يعرف إلى التدجيل والمواربة والتملق والكذب والنفاق سبيلا، فهي تجتهد قدر المستطاع في إحقاق الحق وإبطال الباطل بكل إقدام وشهامة”([3]).

 

 
124wad
 
وادي ميزاب هي أولى جرائد الشيخ أبي اليقظان الإصلاحية

 

تعطيل الجريدة:

نظرًا لجرأة الجريدة وصاحبها كثر عليها أعدائها ومناوؤوها وكانوا في بداية المر من المتعصبين، أعداء الحركة الإصلاحية وبعض الأنانيين من الأغنياء الذين لا يحبون الخير والنفع إلا لأنفسهم ولو على حساب أمتهم، إذ كبُر عليهم أن تفضح الجريدة سرائرهم للناس، فصاروا يخططون ويدبرون لإسكات صوت الجريدة الصارخ فكتبوا العرائض العديدة وذيلوها بالإمضاءات، وسارعوا بها إلى الهيئات الفرنسية العليا متحججين فيها بكل دنيئة ومنقصة، حتى سقط في أيديهم وعرفوا عدم جدوى ذلك كلهن فغيروا الاتجاه عوض المعارضة المباشرة عمدوا على تأليب حفائظ المبشرين والمترجمين، مستثمرين ضغائنهم وأحقادهم ضد الجريدة والإسلام، مؤججين فيهم حمية المسيحية ونعرة العسكر، حتى كان نتيجة ذلك صدور قرار من الوزارة الداخلية مؤرخ في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رجال في الذاكرة 02

كتبها بن بهون ، في 19 مايو 2008 الساعة: 15:00 م

 محمد بن صالح الثميني (1897- 1970   (

” مثال الاستقامة، والذي حاز بتقواه تقدير الرؤساء “

14 

 

سافر الشيخ محمد بن صالح بن عيسى بن يحي الثميني إلى تونس في سنة 1917م لاستكمال دراسته بجامع الزيتونة، فتخرج منه على يد علمائه، وقد كان يساهم في الحركة العلمية والسياسية منذ لحاقه بتونس، إذ انضمَّ إلى البعثة العلمية المزابية فعاضد الشيخ أبي إسحاق أطفيَّش في تسيير شؤونها، ثم تولى رئاستها بعد نفي الشيخ أبي إسحاق إلى مصر سنة 1923.

خاض بعدها المعترك السياسي بعد تعرّفه على الزعيم “عبد العزيز الثعالبي” فوقف بجانبه، وكان عضوًا بارزًا في اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري التونسي، فسعى بكل جهوده لدعم الحزب ماديًّا، إذ كان يجمع التبرعات من التجار التونسيين والجزائريين.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رجال في الذاكرة 01

كتبها بن بهون ، في 19 مايو 2008 الساعة: 14:44 م

صالح بن يحي الشيخ السياسي الوحدوي (1850- (1947

  أحد أبرز مؤسسي وممولي الحزب الحر الدستوري

الحاكم في تونس إلى تاريخ اليوم

 698ima

 

  صالح بن يحي الشيخ أول الجالسين على يسار الصورة، صاحب اللحية والعمامة البيضاء.

 

كان عضوا إداريا في الحزب، وهو أحد مؤسسيه، وقد انفق جلَّ أمواله الكثيرة في مؤازرة حزب الدستور فمات فقيرا _يرحمه الله_، وكان يتمنى أن تقوى الحركة الوطنية في تونس، فتفيض على الجزائر والمغرب فتكون الأقطار الثلاثة تونس والجزائر والمغرب جبهة واحدة ضد الاستعمار فتنال استقلالها، هذا هو أمله.

إن الشيخ صالح بن يحي قام بجولة في سنة 1920

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي